‎” الإنسان .. يومٌ أو بعض يوم “

على امتداد التاريخ .. الفجر هو الفجر

بسكونه..

بعتمته..

ببرده..

بهدوئه..

بوحدته..

برونقه..

بالندى و الهدى

بشقاء الفقراء .. و غواية الأغنياء

بسكينة الأتقياء .. و تؤدة الكبراء

مع الفجر إذ يأذن ببزوغ نهار و انبلاج أسرار و إشراق أنوار

 في غفلة أو هدأة من الوقت و المكان يقولون وُلِد يوم جديد ..

و وُلِد طفل جديد ..

إن بين الإنسان و الأيام حكايات و حكايات …

“الخيط الناظم” بين الإنسان و الفجر .. العلاقة الأزلية بين الإنسان و المكان ..

“الخيط الفاصل” بين الإنسان و الزمان .. كيف تُنسج العلاقة بين الثواني و الأنفاس ؟ أيهما المرجع و القياس؟

يولد الإنسان .. يفرح الأهل .. جسمه نقي بدون تلوث أو أمراض .. بلا خطايا ولا زلات .. الروح مستقرة .. بل تتقدم و تحبو بثبات و تعثر .. يستقبل المفاهيم و الأفكار .. تنبت في قلبه الكلمات و الأغنيات ..يفرح بكل جديد .. تغسله الشمس ..

عذراً !!!!! أليس هذا هو الصباح بعينه؟

هو الصباح يشبه الطفل إذ يخرج وحيداً يختال بين السهول و الحقول .. يفرح بنقائه .. بلا منغصات أو مؤثرات .. بل يمضي بقوة و حب .. يستقبل يوما جديداً .. عماده الساعات القصيرة و الشمس التي ينتظرها لتتوسط عرشها.

أليس الفجر بريئاً كالطفل ؟

أليس الفجر أبيض برداً سلاماً كالصبي؟

أليس أول النهار .. كأول حب خادع أو سراب ماتع .. لمراهق لا يعرف من معاني الإتساخ إلا حين يقع على ركبتيه و هو يلعب في الشارع!!

أليس الضحى .. طفلة جدائل شعرها ..شعاع شمس ؟

و صوت طفلة تقرأ أنشودة الأم .. ألا تشعرون أنها تستسقي علمها من زقزقة عصافير شجرة البرتقال…

ثم ألم يقتل الفجر حين أتى .. يوماً جعل من نفسه جسراً له .. تماما كالإنسان يغدر و يفجر .. !!

يمضي الطفل الصبي الشاب الرجل الكهل الشيخ بعمره .. كفجر امتد للضحى للظهيرة للعصر للمغرب لآخر الليل ..

حين تلسعه أشعة الشمس .. هنا صدمة الحياة الأولى .. فالفتاة التي أحبها .. متزوجة .. و المدرسة كانت لعبة ذات مستوى منخفض ..

ليست أوراق الزهر وحدها تفتحت .. بل الدنيا بأسرها .. توسعت و ما عاد يستطيع أن يلعب لعبته القديمة .. فهذا أوان الجد فليجتهد.

وقت العمل .. الظهيرة .. عشرينيات العمر .. كل التجارب توحي له أن اعمل و جد و اجتهد لتحصل على القيلولة ..

هذه أشعة الشمس إذ تستفز عرقك و يكبر بداخلك قلقك .. هذا وقت الظهيرة فمنهم من يعيشه كأطول وقت .. مباشرة تحت أشعة الشمس فتأخذ منه و يأخذ منها و منهم من يختصر الوقت فيتفيأ الظلال عن اليمين و عن الشمال ..

العمل و الكد وقت الظهيرة لا يشبه إلا شابا نشيطا يتعب لأجل أن يبني مستقبله و يظفر بحبيبته و يأوي لبيته .. فيخلد لقيلولته .. ربما تكون هذه القيلولة هي ساعة العمر أو زهرة الحياة الدنيا .. و كم هي قصيرة لا تتجاوز نصف ساعة في اليوم و هي بمعدل الإنسان أقل من 3 سنوات .. هي أول زواجه هذا إن مضى بلا مشاكل و ظفر بمن يريد .. أما إن عانى من الإزعاج و الضوضاء ..

و كمعادلة ثابتة تسيطر على العمر بأن السعادة الأبدية و الثابت الوحيد هو الدار الآخرة وما الحياة الدنيا إلا متاع قليل زائل .. فإنه سرعان ما يعود لعمله ولو بوتيرة أقل و هنا نشبه وقت العصر !!! فالعصر وسط العمر

فمن الناس من يكمل يومه في العمل للعصر و منهم من يرتاح قليلا إلا من طبيعة الحياة التي تشابه طبيعة اليوم بحرارته أو ريحه أو مطره .. وهذه الفترة هي مرحلة الثلاثينات و الأربعينات وكذا هو وقت العصر – الساعة الثالثة و الرابعة –

و أول الساعة الخامسة .. يدخل الرجل في العقد الخامس .. و تحل الوحدة المؤقتة كصقيع المغرب .. فإن للمغرب برداً مفاجئا سرعان ما يزول كغربة الرجل الخمسيني حين يخرج أبناؤه و بناته من حضنه إلى يومهم الجديد أو عمرهم المديد..

يبدأ المغرب و الليل .. كمتلازمتين لا تنفكان .. قد يزول شعور الغربة مع أول حفيد و مع دقة الساعة السادسة مساء ..تعود الجلبة للمكان .. تملأ الغرفة و عقارب الساعة تتسارع بلا رمال..

يحل الليل بلونه الأصيل و هنا يدرك أن لا مفر أنه إلى الخاتمة يمضي يصاب بالتعب و الدوار قد يتجنب العشاء وهنا يمثل العشاء متعة دنيوية قد تكون رحلة بحرية.. أو عطلة صيفية طويلة…

هو الليل إذ يحتاج المصباح .. هو الرجل إذ لا يستغني عن نظارته خوفاً أن تتعثر قدماه .. بدأ يومها يشعر بالنعاس متعثرةً خطاه و الآن يعود كما بدأ و يكأن التاسعة مساءً ما هي إلا التاسعة صباحاً في يوم عيد الإستقلال.

يرخي الليل أسداله و ترتخي أضلاعه .. يتعب قلبه و يستعجل الليلُ أوانه .. كالمسرحية إذ يغادرها المتفرجون مبكراً .. فأول من يغادر هو أول من حضر .. الأطفال الذين كبروا و الأحفاد الذين شبوا .. يحل الخوف في المكان.. كل يأوي لفراشه الأقربون و الأبعدون ..اقتربت الثانية عشر .. يحاول إغماض عينيه فلم يعتد على النوم إلا مبكراً .. ولكنه اليوم كمن ينتظر ضيفاً ثقيلاً .. وما أبشع ضيوف الليل ..

….

..

لحظة .. بقي هناك لعبة نسيها خلف الخزانة .. كانت قد سقطت من علٍ .. و رسالة مهجورة تغافل ان يرفقها للوردة الجافة التي تنام بين دفتي رواية مجدولين ما بين الصفحة الخامسة و الستين و السادسة و الستين ..

و علم حمله في شبابه .. وعملة قديمة من سفرة أخيرة لبلاد بني الأصفر

و لقمة هنيئة ضيعها و نسي موعدها

و حبيبة ما زالت تعود لمقاعد اللقاء كل شتاء ..

و صاحب يحجز  تذكرة القطار كل مرة بلا كلل و بكل اصرار

و ابناً دعاه يوما لحفل تخرجه فشغلته المناقصة !!

و زوجة انتظرته في العشاء فعاد يختلس الطريق للفراش متعباً من أوراق الأرزاق !!

حتى جلس وحده يبحث يقلب خزائنه القديمة بحثا عن نص ذاب من تراكم الغبار على خلف الصورة غير الملونة .. استنطقها و استصرخها ما عادت تجيبه ..

قد أعلنت قطيعته و قالت لقد عشتَ الحاضر مستقبلا فلن تظفر بالماضي الآن ..

قد فاتك المعاد ..

2 Responses to ‎” الإنسان .. يومٌ أو بعض يوم “

  1. حازم نمورة يقول :

    ما شاء الله …
    بالتوفيق اخي يعقوب

    • ابراهيم هندي يقول :

      الله يسامحك ……………..
      رائعة ………………….
      رقيقية ………………..
      مشوقة …………………..
      اتعبت القلب يا يعقوووووووووووووووووووووووووووووووب

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.